أحمد بن محمود السيواسي
81
عيون التفاسير للفضلاء السماسير ( تفسير الشيخ )
« قِبْلَتَهُمْ » وإن كانت لكل طائفة قبلة لاتحادها في البطلان ، ثم أشار إلى أنهم مفترون فيما بينهم وإن كانوا متفقين في مخالفة النبي عليه السّلام بقوله ( وَما بَعْضُهُمْ بِتابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ ) لأن كلا منهم يعتقد أن الحق دينه ، فكيف ترجو أن يتبعوك ويصلوا إلى قبلتك ( وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ ) على سبيل الفرض أو المراد غيره بالخطاب ( أَهْواءَهُمْ ) أي مرادهم ومذهبهم بالصلاة إلى قبلتهم ( مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ ) أي وصل إليك ( مِنَ الْعِلْمِ ) أي من البيان باليقين أن دينك هو الحق والكعبة هو القبلة ( إِنَّكَ إِذاً ) أي حينئذ ( لَمِنَ الظَّالِمِينَ ) [ 145 ] أي الضارين بنفسك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 146 ] الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( 146 ) قوله ( الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ) نزل حين قالت اليهود لأصحاب النبي : لم تطوفون بالبيت المبنى على الحجارة ؟ فقال النبي عليه السّلام : « الطواف بالبيت حق » « 1 » ، وإنكم تعلمون ذلك بالتورية فجحدوا . فقال تعالى : الذين أعطيناهم التورية ( يَعْرِفُونَهُ ) أي أن الطواف حق والبيت قبلة ( كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ ) يعني لا تشتبه عليهم ، وقيل : الضمير يرجع إلى محمد « 2 » ، أي يعرفون أنه نبي حق بما علموا في كتابهم كما يعرفون أبناءهم بين الغلمان ، واختص ذكر الأبناء ، لأن الذكور أشهر وأعرف عندهم ، قال عبد اللّه بن سلام : « واللّه لقد عرفت محمدا أشد معرفة مني با بني ، لأن نعته في كتابنا ، وما أدري ما أحدثت النساء بعدي » ، فقال عمر : « أقر اللّه عينيك يا عبد اللّه » « 3 » ( وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ ) أي من معانديهم وجهلتهم ( لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ ) ليسترون أمر القبلة ( وَهُمْ يَعْلَمُونَ ) [ 146 ] ذلك . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 147 ] الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 147 ) ثم قال تعالى يا محمد ( الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ ) أي أمر القبلة الذي « 4 » يكتمونه هو من اللّه ، فهو مبتدأ وخبر أو التقدير : ما جاءك من العلم هو الحق و « مِنْ رَبِّكَ » خبر بعد خبر أو حال ، أي كائنا من اللّه ( فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ) [ 147 ] أي الشاكين فيما أخبرت لك به . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 148 ] وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 148 ) ( وَلِكُلٍّ ) أي من أهل الأديان المختلفة ( وِجْهَةٌ ) أي جهة يتوجه إليها وهي « 5 » القبلة ( هُوَ ) أي كل منهم ( مُوَلِّيها ) بكسر اللام ، أي مستقبلها أو هو مصرفها وجهه أو اللّه موليها إياه فهو راجع إلى اللّه ، من وليته ووليت إليه بمعنى أقبلت عليه أو صرفته إليه ولو عدي ب « عن » نحو وليت عنه كان بمعنى أدبرت عنه ، بفتح اللام المشددة مع الألف « 6 » ، أي كل واحد منهم مولاها ، أي مولى تلك الجهة ، يعني اللّه يوليه إليها لا غيره ، قوله ( فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ ) خطاب لأمة محمد عليه السّلام ، أي لكل منكم جهة يصلي إليها شرقية أو غربية أو جنوبية أو شمالية بحسب اختلاف الآفاق فبادروا بالأعمال الصالحة ( أَيْنَ ما تَكُونُوا ) أنتم وأعداؤكم ( يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً ) أي يجمعكم يوم القيامة فيجازيكم بأعمالكم ( إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) [ 148 ] يقدر على جمعكم ثمة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 149 ] وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ ( 149 ) قوله ( وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ ) تأكيد لأمر النسخ ليعلم أن ذلك عزيمة لا يجوز تركها ، أي أي مكان ذهبت
--> ( 1 ) قاله مقاتل ، انظر السمرقندي ، 1 / 166 . ( 2 ) أخذه المفسر عن السمرقندي ، 1 / 166 . ( 3 ) انظر السمرقندي ، 1 / 166 ؛ والبغوي ، 1 / 174 . ( 4 ) الذي ، ب م : التي ، س . ( 5 ) وهي ، س م : وهو ، ب . ( 6 ) « موليها » : قرأ ابن عامر بفتح اللام وألف بعدها والباقون بكسر اللام وياء ساكنة بعدها . البدور الزاهرة ، 42 .